ميرزا جواد آغا الملكي التبريزي
355
المراقبات ( أعمال السنة )
والدعاء ومن قرأها وهو غافل عمّا يقول : لا يقال : إنّه قرأ الدعاء ، وأنّه دعا ، بل يقال تلفّظ بألفاظ الدعاء ، ولأنّ للدعاء صورة وروحا ، صورته ألفاظها وهي قائمة باللَّسان ، روحه معانيه ، وهي صفة للقلب وقائمة به ، فمن كان قلبه غافلا عن دعائه وما يتلفّظ به ، فدعاؤه دعاء بلا روح ولا حياة . فإن قيل : فعلى ما قلت لا فائدة في قراءة هذه الدعوات لمن يعمل بالمعاصي ؟ لا سيّما إذا كان غافلا عن قصد معناه ؟ وهذان الأمران لا يتمّان إلا في الكاملين من المؤمنين ، بل يختصّ بزمرة المقرّبين . قلت : ليس الأمر كذلك ، بل الَّذي يلزم على ما قلناه أنّ جميع هذه المذكورات في الخبر إنّما هو حقّ من قرأها حقّ قراءتها وأنّ من لا يخاف اللَّه ولا يرجوه ولا يطيعه في شئ من أوامره ونواهيه ، فهو محروم من فوائدها كلَّها ، وأمّا من كان مؤمنا باللَّه ، ومطيعا له بقصده ، ولا يملك نفسه في بعض الأوقات ويعصي ويسيئه معصيته فهو إذا كان قاصدا لمعاني ما يقول ، فهو ليس محروما من فوائدها ، بل المرجوّ من كرمه تعالى أن يكمّل له أكثر ما ذكر في الرواية من الفضل ويزيده ، وأمّا من كان حاله هذا ، وهو غافل عن قصد معانيها في قراءة بعضها ، وقاصد لها في البعض الآخر ، فهو أيضا قد يناله فضل من اللَّه وأحيا ما قرأه بالغفلة بقصده الإجماليّ الَّذي بعثه إلى قراءته ويربّيه له . وبالجملة فبقدر إيمانه وعمله وقصده يثاب جزما ، وقد يتفضّل عليه ، ويسامح في تقصيره ، ويعطيه نورا زائدا على ما وعده في حكمه العامّ ويربّي ما ناقصه ( 1 ) ويكمّله فيوفّي عليه جزاء الكامل التامّ .
--> ( 1 ) في الأصل : ما قصده . .